لكلِّ معلّمٍ أثر. ومن حقّه أن يُحفَظ.
وُجد «أثر» ليجمع عمل المعلم كله — التحضير، والدروس، والزيارات الصفية، والتحسّن الهادئ الذي لا يراه أحد — في مكانٍ واحد يُرى ويُحتسَب، بدل أن يتبعثر ويُنسى.
اثنا عشر مجلدًا، وأربع مجموعات واتساب، وأسبوعٌ قبل الزيارة.
اسأل أيَّ رئيس قسم: أين شواهد معلميك؟ سيُخرج جواله. مجموعة واتساب تصل فيها خطط الدروس صورًا بين أربعين رسالة أخرى. مجلد مشترك على Google Drive فيه «الفصل الثاني – نهائي» و«الفصل الثاني – نهائي (2)». حساب OneDrive أنشأه أحدهم ولا يحدّثه أحد. وملفٌ ورقي في زاوية المكتب.
العمل موجود. لكنه في كل مكان.
لذلك، في الأسبوع الذي يسبق زيارة المشرف، أو مراجعة الاعتماد، أو تقويم الأداء السنوي، يتوقف القسم عن التعليم ويبدأ في البحث. يُطلب من المعلمين إعادة إرسال ما أرسلوه. ويعيد رئيس القسم بناء سنةٍ كاملة من شظايا. وحين يُعبَّأ النموذج أخيرًا، يعكس ما أمكن العثور عليه، لا ما أُنجز فعلًا.
معلمون مجتهدون يفقدون حقَّهم في عملٍ أدَّوه. وقادة يخسرون أمسياتهم في إثبات ما يعرفونه أصلًا. من هنا بدأ «أثر».
لكلِّ معلّمٍ أثر، ومن حقّه أن يُجمَع.
الأثر في لغتنا هو ما يبقى من الشيء بعد مروره: أثر القدم على الرمل، والأثر الذي يحمله العلماء جيلًا عن جيل، وأثر المعلم في طالبٍ قد ينسى الدرس لكنه يحمله معه أينما ذهب.
وقد جعل ديننا هذا الأثر من القليل الذي يبقى بعدنا؛ قال رسول الله ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
رواه مسلم (1631)
التعليم هو ذلك العلم، يُبذَل كل يوم. ودور «أثر» إلى جواره متواضع: أن تُجمَع شواهد هذا العمل في مكانٍ واحد، وتُراجَع بإنصاف، وتكون جاهزة متى طُلبت — من مدير المدرسة، أو المشرف، أو الوزارة، أو من المعلم نفسه حين يلتفت إلى سنته.
خمس نقاط، ودائرة واحدة، وفكرةُ إنصافٍ عمرها ألف عام.
-
النقطة
أصغر ما يتركه القلم على الورق. جعلها ابن مقلة وحدة القياس لكل شيء.
-
خمس نقاط
كل نقطة شاهد: خطة سُلِّمت، زيارة كُتبت، اختبار حُلِّلت نتائجه.
-
الألف
خمس نقاط فوق بعضها: معلمٌ واقفٌ وخلفه عمل سنة.
-
الدائرة
الألف تدور حول وسطها: السنة تكتمل. لا شيء يضيع، ولا شيء يتبعثر.
في بغداد، في القرن الرابع الهجري، أراد الوزير والخطّاط ابن مُقلة حلَّ مشكلةٍ ما زالت كل مدرسة تعرفها: كيف نحكم على العمل بإنصاف، وكلُّ يدٍ تختلف عن الأخرى؟
كان جوابه أصغرَ ما يتركه القلم على الورق: نقطة واحدة. جعل النقطة وحدةَ القياس لكل شيء. فالألف، أول الحروف وأطولها، تقوم على عددٍ محدد من النقاط. وإذا أدرتَ الألف حول وسطها رسمت دائرة، وداخل هذه الدائرة يجد كلُّ حرفٍ نسبته الصحيحة. ومنذ ذلك اليوم صار الحرف يُكتب في بغداد أو القاهرة أو قرطبة ويُقاس بالنقطة نفسها. هذا هو «الخطُّ المنسوب»، الذي ظل ميزان الكتابة العربية ألف عام.
هذا شعارنا: خمس نقاط تقوم ألفًا، والألف قُطرٌ لدائرة.
كل نقطة شاهدٌ واحد: خطة درس سُلِّمت، زيارة صفية كُتبت، اختبار حُلِّلت نتائجه، إجراءُ متابعةٍ أُنجز. وخمسٌ منها، فوق بعضها، تصنع الألف: معلمٌ واقفٌ وخلفه عمل سنة. والدائرة هي السنة تكتمل: لا شيء يضيع، ولا شيء يتبعثر. والمقياس واحد للجميع، لأن الإنصاف ليس شعورًا، بل وحدةُ قياس.
مبادئ نحاسب أنفسنا عليها.
مكان واحد لا أماكن.
التسليمات والمراجعات والزيارات الصفية والأهداف والتطوير المهني، كلها في مساحة القسم نفسها.
مراجعة بيد إنسان، وبكلمةٍ مكتوبة.
كل عمل يُعتمد، أو يُعاد مع ملاحظة، فيعرف المعلم، ويبقى ذلك في السجل.
مقياس واحد للجميع.
تُحدَّد المعايير وسلالم التقدير مرةً واحدة وتُطبَّق على الكل، ويتكوّن ملف شواهد الأداء تلقائيًا، معيارًا بعد معيار.
مبنيٌّ لمدارسنا.
بنود تقويم الأداء الوظيفي في الوزارة، ومعايير هيئة تقويم التعليم والتدريب، وCognia، وأطر الخليج ومصر، كلها في الداخل لا مُلصقة من الخارج. والعربية والإنجليزية سواء، والتاريخ الهجري حيث تستخدمه.
شواهدكم ملككم.
صدِّروا شواهدكم متى احتجتم إليها. لا تُباع البيانات، ولا تُشارَك إلا مع مزوّدي الخدمة المذكورين في سياسة الخصوصية.
احترام وقت المعلم.
تسليم من الجوال في ثوانٍ، وتذكير في اليوم التالي للموعد، لا رسالة في منتصف الليل.
صُنع في جدة، لكل العرب.
«أثر» يُصنع في جدة، بوابة الحجاز. منذ أربعة عشر قرنًا تمرّ من هذا الميناء كل الطرق إلى مكة والمدينة: حجاجٌ وتجّار، ومعهم معلمون وطلاب من القاهرة ودمشق وبغداد وفاس وجاوة، يحملون العلم إليها ويعودون به. والحجاز هو حيث نزلت أول كلمة على العرب: «اقرأ»، وحيث كانت أول مدرسة صُفّةً مظلّلة في مسجد النبي ﷺ، وطلابها يُعرفون باسمٍ واحد: أهل الصُّفّة. معلمٌ، ومتعلمٌ، وأثرٌ ما زال معنا.
من هذا العمق نبني. جدة لم تكن يومًا حيث تستقر الثروة، بل حيث تلتقي الطرق. نبني لرؤساء الأقسام أولًا لأنهم يحملون الثقل، وللمعلمين لأن السجل ينبغي أن ينصفهم، ولمديري المدارس لأن المدرسة تستحق أن ترى نفسها بوضوح دون أن تطلب من أحدٍ البقاء بعد الدوام. من جدة، كما كان دائمًا، إلى كل مدرسة عربية.